العيني

84

عمدة القاري

أعمالهم ، وفيها : تنزل أرزاقهم ) . رواه البيهقي في كتاب ( الأدعية ) وقال : فيه بعض من يجهل . وروى الترمذي من حديث صدقة بن موسى عن ثابت عن أنس ، رضي الله تعالى عنه : ( سئل رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، أي الصوم أفضل بعد رمضان ؟ قال : شعبان ، لتعظيم رمضان . وسئل : أي الصدقة أفضل ؟ قال : صدقة في رمضان ) . ثم قال : حديث غريب ، وصدقة ليس عندهم بذاك القوي ، وقد روي أن هذا الصيام كان لأنه كان يلتزم صوم ثلاثة أيام من كل شهر ، كما قال ابن عمر ، فربما يشتغل عن صيامها أشهرا فيجمع ذلك كله في شعبان ، فيتداركه قبل رمضان ، حكاه ابن بطال ، وقال الداودي : أرى الإكثار فيه أنه ينقطع عنه التطوع برمضان ، وقيل : يجوز أنه كان يصوم صوم داود عليه السلام ، فيبقى عليه بقية يعملها في هذا الشهر . وجمع المحب الطبري فيه ستة أقوال : أحدها : أنه كان يلتزم صوم ثلاثة أيام من كل شهر ، فربما تركها فيتداركها فيه . ثانيها : تعظيما لرمضان . ثالثها : أنه ترفع فيه الأعمال . رابعها : لأنه يغفل عنه الناس . خامسها : لأنه تنسخ فيه الآجال . سادسها : أن نساءه كن يصمن فيه ما فاتهن من الحيض فيتشاغل عنه به ، والحكمة في كونه لم يستكمل غير رمضان لئلا يظن وجوبه . فإن قلت : صح في مسلم : أفضل الصوم بعد رمضان شهر الله المحرم ، فكيف أكثر منه في شعبان ؟ ويعارضه أيضا رواية الترمذي : ( أي الصوم أفضل بعد رمضان ؟ قال : شعبان ) . قلت : لعله كان يعرض له فيه إعذار من سفر أو مرض أو غير ذلك ، أو لعله لم يعلم بفضل المحرم إلاَّ في آخر عمره قبل التمكن منه ، ولأن ما رواه الترمذي لا يقاوم ما رواه مسلم . قوله : ( أكثر صياما ) كذا هو بالنصب عند أكثر الرواة ، وحكى السهيلي أنه روي بالخفض ، قيل : هو وهم ، ولعل بعض النساخ كتب الصيام بغير ألف على رأي من يقف على المنصوب بغير ألف فتوهم مخفوضا ، أو ظن بعض الرواة أنه مضاف إليه ، فلا يصح ذلك ، وأما لفظة : أكثر ، فإنه منصوب لأنه مفعول ثان لقوله : ( وما رأيته ) . قوله : ( من شعبان ) ، وزاد يحيى بن أبي كثير في روايته : ( فإنه كان يصوم شعبان كله ) ، وزاد ابن أبي لبيد : ( عن أبي سلمة عن عائشة أنها قالت : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر صياما منه في شعبان ، فإنه كان يصوم شعبان إلاَّ قليلاً ) . وفي رواية الترمذي عن أبي سلمة ( عن عائشة ، أنها قالت : ما رأيت النبي ، صلى الله عليه وسلم ، في شهر أكثر صياما فيه في شعبان ، كان يصومه إلاَّ قليلاً ، بل كان يصومه كله ) . انتهى . قالوا : معنى : كله ، أكثره ، فيكون مجازا . قلت : فيه نظر من وجوه : الأول : أن هذا المجاز قليل الاستعمال جدا . والثاني : أن لفظة : كل ، تأكيد لإرادة الشمول ، وتفسيره بالبعض مناف له . والثالث : أن فيه كلمة الإضراب ، وهي تنافي أن يكون المراد الأكثر ، إذ لا يبقى فيه حينئذ فائدة ، والأحسن أن يقال فيه : إنه باعتبار عامين فأكثر ، فكان يصومه كله في بعض السنين ، وكان يصوم أكثره في بعض السنين ، وذكر بعض العلماء إنه وقع منه صلى الله عليه وسلم وصل شعبان برمضان وفصله منه وذلك في سنتين فأكثر ، وقال الغزالي في ( الإحياء ) : فإنَّ وَصلَ شعبان برمضان فجائز ، فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة ، وفصل مرارا كثيرة ، انتهى . قلت : على هذا الوجه يبعد وجوده منصوصا عليه في الحديث ، نعم ، وقع منه الوصل والفصل ، أما الوصل فهو في حديث الترمذي عن أبي سلمة ( عن أم سلمة ، قالت : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم شهرين متتابعين إلاَّ شعبان ورمضان ) . وأما الفصل ففي حديث أبي داود من رواية عبد الله بن أبي قيس ( عن عائشة ، قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحفظ من هلال شعبان ما لا يتحفظ من غيره ، ثم يصوم لرمضان ، فإن غم عليه عد ثلاثين يوما ثم صام ) . وأخرجه الدارقطني ، وقال : ( هذا إسناد صحيح ، والحاكم في المستدرك ، وقال : هذا صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه ، وروى الطبراني من حديث أبي أمامة ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصل شعبان برمضان ) . ورجال إسناده ثقات ، وروي أيضا من حديث أبي ثعلبة بلفظ : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم شعبان ورمضان يصلهما ) . وفي إسناده الأحوص بن حكيم وهو مختلف فيه ، وروي أيضا من حديث أبي هريرة بلفظ حديث أبي أمامة وفي إسناده يوسف بن عطية وهو ضعيف . فإن قلت : كيف التوفيق بين هذه الأحاديث وبين حديث أبي هريرة الذي رواه أصحاب السنن ؟ فأبو داود من حديث الدراوردي والترمذي كذلك ، والنسائي من رواية أبي العميس ، وابن ماجة من رواية مسلم بن خالد ، كلهم عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : ( إذا بقي نصف من شعبان فلا تصوموا ) ، هذا لفظ الترمذي ، ولفظ أبي داود : ( إذا انتصف شعبان فلا تصوموا ) ، ولفظ النسائي :